الغزالي
504
إحياء علوم الدين
وقال خالد الحذاء : دخلت على ابن سيرين فرأيته يقرأ في مصحف منقوط وقد كان يكره النقط . وقيل إن الحجاج هو الذي أحدث ذلك ، وأحضر القراء حتى عدّوا كلمات القرءان وحروفه وسوّوا أجزاءه وقسموه إلى ثلاثين جزءا وإلى أقسام أخر الخامس الترتيل : هو المستحب في هيئة القرءان لأنا سنبين أن المقصود من القراءة التفكر ، والترتيل معين عليه ، ولذلك نعتت أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا . وقال ابن عباس رضي الله عنه : لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلىّ من أن أقرأ القرءان كله هذرمة . وقال أيضا : لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما أحب إلىّ من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا . وسئل مجاهد عن رجلين دخلا في الصلاة فكان قيامهما واحدا إلا أن أحدهما قرأ البقرة فقط والآخر القرءان كله فقال : هما في الأجر سواء . واعلم أن الترتيل مستحب لا لمجرد التدبر ، فان العجمي الذي لا يفهم معنى القرءان يستحب له في القراءة أيضا الترتيل والتؤدة ، لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام ، وأشد تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال السادس البكاء : البكاء مستحب مع القراءة ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « اتلوا القرءان وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرءان » وقال صالح المرّى : قرأت القرءان على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم في المنام فقال لي : يا صالح هذه القراءة فأين البكاء ؟ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه . وإنما طريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن ، فمن الحزن ينشأ البكاء . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 4 ] « إنّ القرءان نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا » ووجه إحضار الحزن أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود ، ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره فيحزن لا محالة ويبكى ، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد الحزن والبكاء فان ذلك أعظم المصائب